مولي محمد صالح المازندراني

12

شرح أصول الكافي

قادراً مختاراً عالماً بوجوه المصالح يحيل الأشياء إلى أوقاتها باختياره ويوجد كلاً في وقته من غير حاجة إلى شيء سابق ومثال متقدم فقال ( وخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه ) في عالم الأجسام . ( وهو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شيء إلى الماء ولم يجعل للماء نسباً يُضاف إليه ) . هذا وغيره من الروايات صريح في أن الماء أول صنع في عالم الخلق وأنه لم يخلق من شيء فبطل ما ذهب إليه علماء العامة مثل القرطبي وغيره ونطقت به رواياتهم من أن الأول جوهرة أو ياقوتة خضراء فنظر إليها الجبار بالهيبة فانذابت وصارت ماء وتسخنت فارتفع منه دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض ، لا يُقال الماء محتاج إلى المكان فكيف يكون هو الأول لأنا نقول المكان عدمي وهو البعد الموهوم كما صرّح به بعض المحققين ثم حصل له تميز عن مطلق الموهومات وتعين بسبب خلق الماء فكان تميزه تعينه تابعاً لخلق الماء ، وبما ذكرنا حل هذا الحديث ظهر أنه لا ينافي ما مر في كتاب الأصول في باب مولد النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال « قال الله تعالى يا محمد إني خلقتك وعلياً نوراً ( يعني روحاً ) بلا بدن قبل أن أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري فلم تزل تهللني وتمجدني - الحديث » ما روي عنه ( صلى الله عليه وآله ) قال « أول ما خلق الله روحي » وعنه أيضاً « أول ما خلق الله العقل » ولا منافاة بين هذه الروايات لأن هذه الثلاثة متحدة بالذات مختلفة بالحيثيات إذ هذا المخلوق الأول من حيث إنه ظاهر بذاته ومظهر لظهوره ( 1 )

--> ( 1 ) قوله « من حيث أنه ظاهر بذاته ومظهر لظهوره » كلام دقيق مبني على أصول عقلية ونقلية وحاصله أن أول صادر من الواجب تعالى في السلسلة الطولية أعني العلل والمعلولات أشرف المخلوقات مطلقاً لكونه أقرب إلى الواجب تعالى وليس إلاّ روح خاتم الأنبياء ( صلى الله عليه وآله ) وهو نور لتحقق معناه فيه وكونه ظاهراً بذاته ومظهراً لغيره وهو عقل لتقدم العقل على الجسم في مذهب الإلهيين بخلاف الماديين فإن العقل عندهم فرع الجسم إذ ليس الإدراك والشعور عندهم إلاّ عرضاً من عوارض المادة وتركيب العناصر فلابدّ عندهم من وجود الجمادات مقدماً على العقل ولولا تركيب الأبدان ووجود الدماغ لم يكن فكر ولا عقل عندهم وأما عند الإلهيين فالموجودات العاقلة مستقلة عن الجسم قائمة بذاتها والجسم مركب محتاج إلى موجود عاقل غير جسماني يحفظ أجزاءه ويقيمها كما ثبت في محله ، وأما كون الماء أول المخلوقات فالمراد منه أول موجود جسماني لا أول الموجودات مطلقاً كما علم مما مرَّ ، واعلم أن الإمام ( عليه السلام ) جرى هاهنا على اصطلاح الناس في ذلك العصر فإن العناصر عندهم كانت منحصرة في أربعة : الماء والهواء أي الريح ، والنار ، والأرض وبيّن ( عليه السلام ) أن الأصل هو الماء والثلاثة الأخرى مولدة منه وهو رأي ثاليس الملطي من قدماء اليونانيين وقال بعضهم : إن الأصل هو الهواء وبعض أنه النار وبعض أنه الأرض ، ومقتضى كلام غيرهم أنّ العناصر الأربعة كل أصل بنفسه لم يكن أحد منها مشتقاً من الآخر لمناسبات واستحسانات رأوها أحسن ولم يدع أحد منهم الظفر بما يوجب اليقين وسلكوا في عددها مسلك الفقهاء حيث ينفون ما لم يثبت دليل على وجوده بأصالة العدم واستصحاب العدم الأزلي مثلاً قالوا لم يتبين لنا كون الماء مركباً من عناصر مختلفة فالأصل عدمها فيكون الماء عنصراً بسيطاً ولم يتبين لنا وجود عنصر بسيط غير الأربعة فالأصل عدم بسيط غيرها وكذلك في زماننا يعدون عناصر كثيرة لم يظهر لهم تركيبها فالتزموا ببساطتها وعددها نحو من مائة عنصر كلما ظفروا بعنصر جديد زادوه عليها ولا فائدة دينية في تحقيق ذلك وتشخيصها إلاّ أن يعلم بوجه كلي أن كل شيء إنما يوجد بتأثير مشيئة الله وقدرته وكون العنصر الأصلي أوسط في القوام أظهر في العقل لأن الجامد كالأرض لا يسهل تشكله بالصور المختلفة والفلزات لا يصنع إلاّ بعد الذوب والريح مايلة إلى الحركة والتفرق ولا يقبل التشكل والضبط الأولى بقبول التغير وحفظ الشكل في الجملة هو المايع وهذا المقدار يكفي في تصور تغيير الأشياء من صورة إلى صورة وليس المقام لتحقيق الأمور الطبيعية حتى يحتاج إلى تفصيل أكثر والإنسان مفطور على إرجاع الكثرات إلى الواحد ليكون أول صادر من الواجب واحداً كما قالوا الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد يعني في المرة الأولى ، لذلك اطمأن السائل لما سمع من الإمام إرجاع كل المواليد إلى واحد هو الماء ( ش ) .